شؤون دينيةشمال 360مقال رأي

فك الإبهام في الحديث عن المصحف الإمام بين العلم والإعلام

خالد الصمدي : خبير تربوي ووزير سابق

في تفاعل مع حلقة ضفاف الفنجان التي استضاف فيها الاعلامي يونس مسكين الباحث السوسيولوجي محمد الناجي أسجل خمس ملاحظات منهجية أخرجت الموضوع عن إطاره العلمي وألقت به الى الجدل الاعلامي الذي يقبل الأخذ والرد وتعدد وجهات النظر ،

1ـ تم التعامل في الحلقة مع القرآن الكريم وجمعه وتدوينه بنفس آليات التعامل مع النص البشري الخاضع للبناء والتطور والاختلاف والزيادة والنقص، وهو ما لا يستقيم في التعامل مع هذا المتن المقدس الذي تكفل الله بحفظه وتلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم وحيا من الله تعالى فحفظه في قلبه وبلغه الى الصحابة من حوله وكلف كتبة الوحي بكتابة ما يتنزل من الآيات في حينها وبترتيب محدد ، والبحث السوسيولوجي بقواعده ومناهجه لا يمكنه التعامل مع مفاهيم عقدية مجردة كالوحي ، و الملك جبريل ، والرسول المبعوث ، والرسالة الخاتمة ، وكلام الله ، وغيرها من المفاهيم التي لها أدواتها ومناهجها العلمية ،

2ـ حصل لضيف الحلقة خلط كبير في المفاهيم بين القرآن كنص مقدس معصوم ومحفوظ بحفظ الله له وحفظه في الصدور، وبين القراء والحفاظ، حتى إنه جعل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أشعريا !!!ونزول القرآن على سبعة أحرف استيعابا للهجات بيئة النزول من أجل تيسير الفهم ، هذا التعدد الذي كان يوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحظة النزول ، ولم يكن محل خلاف على الإطلاق ، لانهم كانوا إذا وقع بينهم خلاف او شك في اللفظ احتكموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان في ذلك الفيصل والحكم كما ورد في عدد من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة ،

كما وقع له خلط بين كتابة القرآن الكريم في الرقاع والالواح وسعاف النخل من طرف كتبة الوحي بأمر وتكليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ،

وكتابة بعض الصحابة الاخرين ممن يحسنون الكتابة لأنفسهم على الجلود والرقاع وسعاف النخل وغيرها من وسائل الكتابة المتوفرة فكتبوا نسخا غير تامة فمنهم من كتب البقرة فقط ومنهم من كتب بعض السور الاخرى وهذا لا يعني البتة وجود مصاحف متعددة تامة وان هناك اختلافا بينها بين النقص والكمال،

3- بعد حفظ القرآن الكريم في الصدور كان محفوظا في السطور عند عدد من الصحابة كتبة الوحي ،الى أن جمعه ابو بكر الصديق رضي الله عنه بعد استشارة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، في نسخة واحدة من الفاتحة الى الناس ووضعت النسخة المرجعية عند حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها ،

فلا وجود إذن لمتعدد من المصاحف الجامعة حتى يكون بينها حروب كما يوهم موضوع الحلقة والكتاب ، وبالتالي لا مجال للحديث عن اختلاف بينها ، لأن نسخة المصحف الأولى الكاملة كتبت في الجمع الاول على عهد أبي بكر والثاني على عهد عثمان رضي الله عنهما وحين كتب عثمان نسخا متعددة من هذا المصحف العثماني أرسلها الى الامصار بعد توسع الفتوحات لتكون مرجعا للحفظة والنساخ وأمر رضي الله عنه بجمع الرقاع الخاصة التي أتى بها الصحابة إليه طوعا فأعدمها ووطن الناس على مصحف واحد مصدره الحفظ وما كتب كتبة الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

وهذا الخلط بين القرآن الكريم كنص كامل مقدس محفوظ ، و صحف كتبة الوحي ، والاحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، وكتابة مصحف عثمان ونسخ منه وإحراق الصحف الخاصة ، يخرج النقاش حول الموضوع من ضوابطه وقواعده العلمية ،

4- لم تذكر مصادر السنة والسير والتاريخ أن مقتل عثمان رضي الله عنه كان بسبب الاختلاف حول القرآن والمصاحف بخلفية سياسية كما ذكر ضيف الحلقة، فلا أدري أي مستند لدى الضيف لقول بهذا القول ، واسباب مقتل عثمان رضي الله عنها معروفة معلومة ولا علاقة لها بالقرآن ،

5- للبحث السوسيولوجي منهجه وأدواته لكنه لا ينفصل على الشرط العلمي الذي يتطلب الاطلاع على علوم القرآن ، ومنها علم القراءات ورواياتها ، ونزول القرآن والمكي والمدني ، وجمع القرآن وتدوينه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعده في عهد أبي بكر وعثمان وتوزيع المصاحف في الامصار مع اتساع الفتوحات ، وأي إغفال لهذه المعطيات العلمية يفقد القراءة السوسيولوجية معناها ، لأن مثل هذه القضايا لا يمكن مناقشتها وفهمها إلا بالتكامل المعرفي بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والاجتماعية ،

هذه بعض الملاحظات المنهجية التي أثرت في نظري على مسار النقاش في موضوع علمي دقيق ، لا يمكن مقاربته بمنطق إعلامي صرف يقدم وجهات نظر في قضايا اجتهادية لا تنتهي بالضرورة الى نتائج تحفظ الموضوع علميته،

والسلام

الشمال 360

منصة الكترونية شاملة تتناول قضايا شمال المغرب من كل الزوايا وفق رؤية جديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى